المرحلة الأخيرة للسلم التي ستكمل على خارطة الصحراء الغربية الفراغ الأخير الذي لم يمكن حتى الآن أن تكتب فيه هذه الكلمات "السلم الفرنسي".
جملة عمرها يقارب القرن من الزمن، ومؤلفها ضابط فرنسي برتبة رائد اسمه "جيلييه" وضعها خاتمة لمؤلفه "التوغل في موريتانيا" الذي صال فيه وجال بين
النعوت السيئة والسب والشتم الصريح، وبين الدعاية لرسالة "التحضير والتمدين" التي حملتها فرنسا للشعوب ما وراء البحار، وخاصة شمال غرب إفريقيا.
لكن ليست الجملة ولا كاتبها ما أثار انتباهي حقا، لأن الرجل لم يرق إلى مستوى مؤرخ حتى مع الانحياز، بل ظل ذلك الضابط الاستعماري الحاقد الذي كلف بمهمة احتلال أوطان نائية وترويض شعوبها، فاصطدم بأباة مقاومين أذاقوه الأمرّين، وكبدوا قواته الهزائم تلو الهزائم، وحولوا الحلم الاستعماري المبني على احتقار الشعوب إلى كابوس مؤرق، أضاق الصحاري بما رحبت، فكان لا بد له من بسط مسوغات لإخفاقات القوات الاستعمارية، وتقديم ما يقوم به هو ومن انتدبوا مثله من أعمال وحشية تتنافى وقيم الإنسانية، بالاختباء وراء كثبان وهمية اصطنعها خياله الاستعماري لتبرير ممارساتهم وأفعالهم الفظيعة أمام رأيهم العام وأمام التاريخ للرفع من معنويات ضباط وجنود يتعرضون للموت بعيدا عن وطنهم وعائلاتهم لإغناء الأغنياء وتفقير الفقراء.
أما ما هو مدهش حقا، هو أن تكون هذه العبارة التي يعود تاريخها إلى ستة وتسعين سنة خلت، هي جوهر وأساس العقيدة الشاملة لدولة وجيش المملكة المغربية منذ انتهاء عهد الحماية والانتداب الفرنسي في ربوعها.
تسعة عقود ونيف مرت على كلام الضابط الاستعماري الفرنسي، لكنه قائم ومحسوس، بل وسيف أشهره نظام المغرب التوسعي على شعوب منطقتنا المغاربية بالتداول، بدأ بجزائر الثورة وهي تداوي جراحها، ليس لسبب سوى أنه ـ المغرب ـ انتخى لولية نعمته فرنسا وأراد الثأر لهزيمة جيشها الاستعماري، ليأتي الدور على موريتانيا، والمطالبة بها والتنكر لحقها في الوجود، لأن فيها هي الأخرى من رفض الاستعمار وقاوم واستشهد رافضا الخضوع، ويواصل اليوم تسليطه بعدهما على رقاب الصحراويين منذ ما يربو على ثلاثة عقود، لأن الصحراويين حرموا فرنسا من استكمال سلمها الذي كانت تريد، ولأنهم أذاقوا جيوشها الاستعمارية مرارة استهداف كرامة الشعوب، وشكلوا في تلك الحقبة بؤرة مشتعلة ونقطة جذب ومقاومة جهادية تأوي كل الراغبين في مناوأة الاستعمار وأهدافه.
النظام المغربي الذي يدعي مسايرة ركب التطورات والتحولات الكبيرة التي يشهدها العالم وتعيشها منطقتنا المغاربية خصوصا، لم يستطع تجاوز مستوى "نظام وظيفة ـ أو دولة لمهمة"، على الرغم من البهرجة وكل مساحيق التجميل العصرية المقتناة من بازارات الغرب وخاصة في فترات التنزيلات التجارية الكبرى، كشعارات الحداثة، والدسترة، وادعاء رعاية الدين، وحماية الفقراء، نجده اليوم مع الأسف الكبير يصر وبكل فظاظة على مواصلة السير على خطى الاستعمار الفرنسي، في كل شيء: تفكيره، خططه، اعماله الوحشية، رؤيته للشعوب، وأساليبه الانتقامية العمياء ...إلخ، رغم مرور 57 سنة على الاستقلال الظاهري عن فرنسا، لم تتمكن المملكة بكل عمقها التاريخي وحضارتها الإسلامية العربية البربرية الإفريقية، ورغم ما تزخر به من طاقات، لم تتمكن من ولوج الآفاق الرحبة للشعوب وتكاملها ولم تستطع تجاوز الوظيفة التي رسمها منظرو الاستعمار لحكامها، وكل ما نجده اليوم هو تحالف "مقدس" بين هؤلاء وأولئك.
هذا التحالف الاستعماري شكل عنوان مأساة الشعب الصحراوي منذ 1975 حتى اليوم ونحن في سنة 2013، لأن فرنسا ما زالت مصرة على "استكمال كتابة سلمها في الصحراء الغربية"، لكن هذه المرة بأيدي خطاطي نظام المملكة المغربية الذين نصبتهم نيابة عنها.
يقول الرائد "جيلييه" في مقطع آخر من كتابه "التوغل في موريتانيا"، وهو يتحدث عن المقاومين الصحراويين الذين لا يدخر جهدا في نعتهم بأقبح الصفات، من منشقين ناهبين، وغزاة، ومعتدين ولصوص وووو، يقول: "(....) من الضروري أن يشعر المنشقون بأنهم لم يعودوا في منأى من مرامينا، وأنه ليس بإمكاننا إيصال الضربات إلى العصابات المسلحة فقط، ولكن كذلك إلى مخيماتهم خاصة".
فماذا قال ويقول النظام المغربي، وماذا فعل؟ ألا تتبارى أبواقه الرسمية والإعلامية منذ 1975 حتى اليوم في نعت الصحراويين بالإنفصاليين (منشقين يقول جيلييه)، ألا يكرر خلفُ الاستعمار هذا منذ اجتياحه لوطننا عسكرية واحتلاله بالقوة بأن من يتصدى له هم عصابة مكونة مما لا أدري!! ألا يحاول بكل ما لديه من وسائل وقوة ربط الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب اليوم تارة بالإرهاب وتارة بتجارة المخدرات؟ ألم يقم بقصف المخيمات في ام ادريقة والقلتة وتفاريتي في العام 1976؟ ألم يدمر قريتي تفاريتي وبئر الحلو، في 1991 قبل وقف إطلاق النار بأيام؟ هل كل ذلك هو تطبيق وإعمال لتوصية الرائد جيلييه؟ أم هي إضافات ابتكرها العقل الاستعماري المغربي في نهاية القرن الماضي، ويستمر في تطويرها مع مطلع القرن الجديد؟
التاريخ شهد على أمرين: الأول، هو أن فرنسا في توغلها، استهدفت الأرض والزرع والنسل، والمغرب فعل ذلك. والثاني، أنه رغم كل ما قامت به فرنسا فقد خرجت صاغرة، وهو ما سيحصل للمغرب يوما. لكن يبدو انها ـ فرنسا ـ تركت في المغرب مع الأسف، خلفا يمشي على الدرب الذي اختطته طلائعها الاستعمارية، وسلمته خارطة طريق استكمال الرسالة الاستعمارية، والحق يقال أن الخلف كان ومازال وفيا لسلفه الاستعماري.
نرى اليوم تنفيذ تلك الوصية الاستعمارية في أوضح معانيها وتجلياتها في الصحراء الغربية، كما نلمس التكامل الفريد من أجل تحقيقها. فرنسا بلد الحريات تتمترس في مجلس الأمن الأممي دفاعا عن نظام المغرب وأفعاله الوحشية، سواء حكمها اليمين أو اليسار، الموقف واحد، نظام المغرب لا يمس، وتقدم له الدعم المادي والمعنوي بكل سخاء. والنظام المغربي من جهته وتحت ستار وحماية التمترس الفرنسي، يواصل التعنت والاستمرار في تنفيذ الرسالة الاستعمارية ضاربا عرض الحائط كل المواثيق والشرائع الدولية والقيم الإنسانية. حيث خطط للقضاء على كل أشكال الحياة في الصحراء الغربية في المدن والقرى وفي البوادي، فزور الأسماء والمسميات، وسمم الآبار، وقتل المواشي، ودمر القرى والمداشر، وسيج المدن، بعد أن استهدف المدنيين العزل بطائراته الحربية، قبل أن يقسم الأرض وأهلها بجدار فاصل طوله 2700 كيلومتر، وخمسة ملايين لغم أرضي، علاوة على التهجير القسري، وحملات القمع الوحشية، والاعتقالات التعسفية، والاختطافات والسجون السرية، والمحاكمات الصورية، والأحكام الجائرة التي كانت آخر طبعة منها محاكمة أسود اكديم إزيك الأبطال عسكريا.
والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن، هل سينجح المقلُّد أين فشل الصانع الأصلي؟ وبعبارة اخرى، هل سينجح الاستعمار المغربي في ما فشل فيه الاستعمار الفرنسي قبله؟
التاريخ ومنطق الأشياء يؤكد ان الحق يعلو ولا يعلى عليه أو كما قال الشاعر:
سنة الحق أن ينام قليلا ثم يصحو في عالم لألاء.
والحق الصحراوي لم يخبت يوما، بل ظل متوهجا وضاء حتى في أحلك ظلمات الغزو الاستعماري المغربي، وستنجلي تلك الظلمة حتما بانبلاج فجر الاستقلال والحرية، لأنه ما ضاع حق وراءه مطالب.
| بقلم: مصطفى الكتّاب |
بتاريخ: 22 مارس 2013
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* التوغل في موريتانيا ـ تأليف الرائد جيلييه ـ ترجمة د. محمدن ولد حمينا ـ الصادر عن دار الضياء للطباعة والنشر ـ الكويت الطبعة الأولى 2007 ـ ص: 403
