صادقت
قمة مالابو مؤخرا على تعيين ممثل خاص لها
إلى الى الصحراء الغربية باسم الاتحاد
الإفريقي ضمن مساعي القارة الدؤوبة لحل
مشكلة آخر مستعمرة فيها، وفور صدور القرار
الإفريقي تصاعد الصراخ والعويل من عاصمة
المملكة المغربية، بدءا برفض القرار
القاري، وتقديم الذرائع الواهية تارة
بعبارات نابية وتارة غير مهذبة، وأحيانا
تستقي أدلتها من أمزجة وأهواء من يقدمها.
الحجج
المغربية المتكررة ـ أي التي يظنون أنها
أكثر قابلية للتصديق، مرتبة نوعا ما بشكل
تسلسلي، فأولا هذه مناورة جارتهم الشرقية
التي لا تكن لهم ـ حسب زعمهم ـ سوى العداوة
والبغضاء ـ يلي ذلك، أن القارة الإفريقية
لا حق لها في التدخل في القضية لكونها
معروضة على مجلس الأمن من جهة، ولأن القارة
ليست محايدة في النزاع، وثالثا هذه مناورة
خصوم وحدتهم الترابية الذين ينشطون بإيعاز
من الجزائر ودعم من دول تناصب المغرب
العداوة، لأن لديه مشروع حضاري ونموذج
يحتذا به فهم يحسدونه عليه.
وبغض
النظر عما في هذه الحجج من تلفيق ومخادعة
وتنكر للحق والحقيقة، فإن ما يثير الاهتمام
والشفقة حقا هو ما وصل إليه المخزن وأبواق
دعايته من التخبط، فأي مشروع لدى المغرب
قد يحسد عليه، أيحسد ععلى قوارب الموت أو
على طوابير الفقراء؟ أيحسد على انتشار
المخدرات والدعارة والرشوة والفساد
والمحسوبية؟ أيحسد على علاقاته المتردية
مع المحيط والجيران؟ لكن لندعهم يتوهمون
ما يشاءون ولنعد إلى الموقف الإفريقي.
لنذكرهم
لعل الذكرى تنفع:
في
يونيو 1981 قبل
الملك المغربي الراحل الحسن الثاني أمام
قمة الوحدة الإفريقية في نيروبي بإجراء
استفتاء لتقرير المصير في الصحراء الغربية،
وفي سبتمبر 1983 صرح
ـ الملك نفسه ـ بأنه يقبل نتائج الاستفتاء
مهما كانت، وفي 1984
تعترف
المنظمة الإفريقية بالجمهورية العربية
الصحراوية الديمقراطية للتبوأ الأخيرة
مكانتها كعضو كامل الحقوق في المنظمة في
شهر نوفمبر من العام 1985،
وفي إبريل من السنة الموالية 1986
بدأت
المنظمة الإفريقية مساع حميدة خاصة
بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة من أجل
حل مشكلة الصحراء الغربية، كللت بالنجاح
حين وافق طرفا النزاع جبهة البوليساريو
والمملكة المغربية على الاقتراحات
المشتركة (الأممية
الإفريقية) في
30 من
أغسطس 1988،
والتي شكلت قاعدة لقرار مجلس الأمن رقم
88/621 الذي
يأخذ بعين الاعتبار اتفاق 30
أغسطس
1988.
لن
نسترسل أكثر في سرد أحداث تاريخ إفريقيا
المقاومة الرافضة للاستعمار بكل أشكاله
ونضالها المستميت من أجل ذلك، فقط نورد
هذه الأمثلة لنؤكد أننا واثقين من أن
الصحراء الغربية أرض إفريقية، لكن المخزن
وأبواق دعايته يجعلوننا نتساءل وأين يقع
المغرب، وما هي حدوده الترابية؟ لأن
الدستور المخزني لا يحدد ذلك، كل ما يجود
به الشارع المغربي هو أن المغربي في حدوده
الطبيعية، يشكل مملكة، لكن دون دون تحديد
هذه الحدود من أين تبدأ وأين تنتهي، وما
تنكرهم اليوم لمنظمة القارة ولجهودها
التاريخية إلا جزء من أوهامهم ومرضهم
المزمن وهوسهم التوسعي الذي يكتوي العالم
به.
ينسون
ان وقف القتال في الصحراء الغربية كان
ثمرة لمساعي دولية أسهمت القارة الإفريقية
ومنظمتها أنذاك (منظمة
الوحدة الإفريقية)
بجهد
كبير فيه، حيث لم تترك النزاع مهملا، ولم
تجانب مبادئها التي تأسست عليها والتي
من أهمها مبدأ احترام الحدود الموروثة
عن الاستعمار، وشكلت لجنة من حكمائها،
وأجلت انعقاد قممها واستعانت بمنظمة
دولية أخرى لتوقف نزيف الدم ولتتفرغ
القارة للتنمية ولمواجهة تحديات أخرى
كبيرة.
وحين
قررت الانتقال من منظمة الوحدة الإفريقية
إلى الاتحاد الإفريقي لم تفرط في تاريخها
ولا في إرثها النضالي، ولم تنس ويلات
الاستعمار، ولا غباوة حججه، وكيف أن كل
استعمار كان يدعي أن الأرض التي يستعمر
هي جزء لا يتجزأ من أرضية ، وأن الحديث
عنها هو مس بوحدته الترابية، مثلما ما
يقول ويروج نظام المملكة المغربية اليوم.
نعم،
سعى المغرب ويسعى من خلال حلفاء تقليدين
له تجمعه بهم روابط الولاء لفرنسا
الاستعمارية بالدرجة الأولى إلى محاولة
استغلال انعقاد قمم الرؤساء الأفارقة
للترويج لعودة مغربية للقارة وذلك بخروج
الجمهوية العربية الصحراوية الديمقراطية،
أو تجميد عضويتها في المنظمة القارية،
لكن القارة وحكمائها وإرثها النضالي
يعطيانها المناعة والحصانة من هذا النوع
من الأوبئة، خاصة من نظام لم يتردد في سب
القارة وزعمائها ودولها ونعتهم بنعوت
شنيعة، وقبيحة مثل سلوكه التوسعي.
وما
تعيين موفد إفريقي إلى الصحراء الغربية
إلا لإقبار ذلك المسعى وتلك المطامح
الغبية التي تحاول تسفيه القارة الإفريقية
والضحك على عقول حكمائها.
مصطفى
الكتاب
بتاريخ:
12يوليو
2014
