وهم حصاد العنب في الرياض بعد زرع الشوك في سوريا.. عن قرار التدخل البري نتكلم

حقيقة لا أدري كيف يقرأ الإخوة في الجزيرة العربية مقالاتنا، إذا سلمنا بأنهم يلتفتون إليها، و لكم أرغب صراحة في معرفة ذلك، مع أن ما يُفهم من مقالات صنّاع الرأي لديهم، و المقربين من دوائر الحكم، و كذلكم تصريحات بعض قادتهم، أنه لا يوجد رأي غير رأيهم، و أن من يخالفهم ليس إلا لجهل أو حسد أو تبعية عمياء لطرف يصنفونه عدوا؛ و هذا لعمري مبدأ سبق للبشرية أن عرفته في قول أحدهم “لا أريكم إلا ما أرى” و نتيجته معروفة لدى الجميع.في حين أننا نؤكد بأن رأينا يستند لوقائع و حقائق و تجارب على الأرض ماثلة للعيان، لا يمكن أن يتجاوزها إلا مكابر (ليبيا مثلا صارخا). ثم الدافع الرئيسي لعرض رأينا هو خلاف ما يفهمه الأشقاء تماما، ذلك أنه يعني مصلحة بلدانهم و أمنها و استقرارها. أقدم هذا بعد أن قرأت لداود الشريان و سلمان الدوسري و عبد الرحمن الراشد و جمال خاشقجي و هم من علية كتاب دول الخليج، استغرابهم من عدم فهم “العالم” لمواقف دول الخليج (على رأسها السعودية طبعا)، و الاستغراب لم يشمل من يحسبونهم أعداء أو خصوما، و إنما شمل من يحسبونهم حلفاء استراتيجيين منذ تكوين تلكم الدول، و أولها الولايات المتحدة نفسها، و أغرب ما في هذه الحالة، هو تبرير عدم تفهم أو فهم الولايات المتحدة هو إما غباء من إدارتها، أو عدم وفاء بالتزاماتها؛ و إن كان هؤلاء يطرحون تساؤلاتهم في صيغة استغراب، فإني لم أقف على عبارة واحدة منهم، تشي باحتمال أن هناك خطأ ما في قراءة المشهد من جانبهم، و لا مجرد خيال بسوء تقدير لدى قياداتهم. و هذا الاعتداد بالذات الى درجة التأليه هو بعينه أقصر طريق للهلاك.
لم تخطئ تقديرات أنظمة دول الخليج مرة واحدة، بل في عديد من المواقف ثبت أن خياراتها كانت خاطئة، حتى لا نقول كارثية على كل الأمة، و إن لم يشعر أو يلمسها الاخوة، بداية من حرب الخليج ضد العراق، و الاعتراض عن اقتراح سلطنة عمان و الجزائر حينها، بالاعتماد على قوة عربية مشتركة لتحرير الكويت (و ها هم اليوم يروجون لها باصرار مذهل)، مرورا بكارثة ليبيا، حين بشروا الأمة بأنها ستكون جنّة مباشرة بعد إسقاط معمر القذافي، و تراهم بعد انكشاف واقع ما يجري في ليبيا، كيف يغفلون كل مآسيها من وسائل إعلامهم، بل و ألغوا بشكل جذري عنوانها مما يسمى جامعة الدول العربية، و شطبوا همها من جدول أعمالها. و صولا الى التقدير الفاضح خطؤه، حين أكّدوا بأن سقوط نظام سوريا سيكون خلال شهور معدودة، فضلا عن ذات الحلم الوهمي الذي سوقوه بخصوص ليبيا.
ما صرح به أحمد العسيري بشأن عدم تراجع السعودية عن قرارها بالتدخل البري في سوريا، نراه خطأ قاتلا لا محالة، ليس بحق سوريا و لا دفاعا عنها كما يتصور الاخوة، و إنما دفاعا عن الجزيرة العربية ككل، و حماية لاستقرار شعوبها؛ إن قرارا كهذا لا يحمل من المنطق العسكري و الميداني و السياسي مثقال ذرة من الحكمة و التعقل، بقدر ما يكشف عن غور حقد شخصي، توظف في سبيل تحقيق مآربه مقدرات الأمة و أرواح أبنائها؛ علينا أن ننتبه هنا لأمر يغفل عنه عادة، و هو أن من يتخذون قرارات الحرب و الصراعات الدموية، عادة لا يدفعون هم من دمائهم و لا من دماء أهلهم، و قطعا ليس من أموالهم، و إنما يزجّون بقوة “السلطة” ابناء الفقراء و أموالهم في أتون دوامة الحرب، و ينقّلونهم كأحجار دمى على رقعة النار، لا يملكون حيال المآسي التي يتعرضون لها أدنى شفقة أو رحمة.
لو أثبت لنا الاخوة صحة خيارهم في ليبيا، و رأينا بأم أعيننا كيف أصبحت جنّة للحريات و الاستقرار و النمو و الازدهار، لسلمنا لهم اليوم بصحة خيارهم بالحرب على سوريا، أما و الواقع المعاين في ليبيا يؤكد لكل ذي عينين أننا أمام مأساة شعب، تزداد يوما بعد يوم نزيفا دمويا و تشرذما اجتماعيا و جغرافيا، فلا يمكننا وصف اصرارهم على المضي في خيار الحرب على سوريا إلا بالحقد الذي أعمى صاحبه، و يريد للعالم كذلك أن يؤمن بهذا العمى و يستغرب عدم فهمه.
حين أقول حقدا، فلست آتي بشيء من عندي، فما نشرته صحيفة “الانديبندنت” على سبيل المثال لا الحصر في 13/07/2014 تقريرا مطولا عن محاضرة ألقاها الرئيس السابق لجهاز المخابرات البريطانية ريتشارد ديرلوف أمام المعهد الملكي للخدمات المتحدة، و التي أكد فيها سماعه شخصيا من بندر بن سلطان بصفته الرسمية، عمل الأخير على إبادة الشيعة و العلويين، و وفق تقديره أن هذا الهدف لم يشرع في العمل على تحقيقه عام 2001 و إنما مع احتلال العراق سنة 2003؛ و حمّل ريتشارد السعودية مسؤولية دعم داعش بكل الوسائل، و احتلالها للموصل و إبادة أكثر من مليون شيعي؛ لكن مما لا يقل خطرا عن هذا كله، هو تعريفه للتفكير الاستراتيجي السعودي، الذي يقوم على ركيزتين متجذرتين وفق قراءته، الأولى: اعتقاد السعوديين بأن الوهابية هي الدين الاسلامي الصحيح و النقي، و غيره مجرد زندقة و كفر، و الثانية: أنهم (اي القيادة السعودية) أوصياء عن المقدسات الاسلامية، و اي تحد لهم ليس مقبولا. ليس هذا المسؤول الغربي الرفيع استثناء بخصوص هذه الشهادة، فقد سبقه مثلا كذلك لا حصرا، أصدقاء استراتيجيون كجو بايدن و جون ماكين.
و على هاتين الركيزين جاء تصريح العاهل السعودي منذ أيام، و صدرت فتوى مفتي المملكة، فالأول اعتبر حربه على اليمن دفاعا عن الأمة العربية، و إن كنّا لا ندري من وكّله بذلك، و الثاني اعتبر الحرب في اليمن و سوريا واجبا دينيا، لأنها دفاع عن الاسلام و الأخير وفق رؤيته، هو الفكر الوهابي و ما عداه صفوي و زندقة و كفر. مع أن علماء مصر و الشام و المغرب جميعهم ينكرون هذا الطرح، حتى لا نقول يعترضون على حشر فضاء الإسلام على سعته في شِبر الوهابية.
دعوني أطرح جانبا مقال الوزير عادل جبير تحت عنوان: هل يمكن لإيران أن تتغير؟ 2016/01/20 الشرق الاوسط، و ما ضمّنه من نفس الركائز، و نعود لقرار التدخل البري في سوريا، بذريعة محاربة داعش، و واقع الأمر أنها حرب وجودية بين النظام السعودي، الذي لم يترك لنفسه خط رجعة في عدائه للقيادة السورية، و قطع خارج كل المعارف السياسية و الدبلوماسية جميع حبال التواصل معها؛ و لنا أن نسأل الاخوة: هل تضعون احتمالا و لو بسيطا بأن هذا القرار خاطئ التقدير؟. لسنا بوارد تفنيد الحجج المسوقة، لأنها ساقطة بحكم الواقع، فالقول بالدفاع عن عروبة اليمن، يدحضه موقف السعودية كآخر فصل في العلاقة مع العدو الاسرائيلي، عبر حوار تركي الفيصل مع صحيفة هآرتس 2015/10/14، فلا فلسطين محتلة و لا هي عربية و لا هي سنّية، و بالتالي لا دفاع عن الامة واجب و لا دفاع عن الاسلام فرض. و القول بالدفاع عن المدنيين المحاصرين المجوعين، ساقط هو كذلك بحكم واقع ما تعاينه الأمة مع أهلنا في قطاع عزة.
إذا، الاندفاع الذي يحركه هذا الحقد الأعمى نحو حرب برية في سوريا هل قرأ القوم نتائجه؟
ليس من باب التخويف و لا التهويل، نكرر ثانية بأن الدافع هو كف دماء الناس، و ايقاف توسع دائرة العنف نحو الدول التي تستنسر اليوم على سوريا؛ هنا نسجل لاخوتنا التالي:
كما قدّرتم بأن اسقاط القذافي سيليه نبات جنّات عدن كان خاطئا، و كما قدّرتم بأن سقوط نظام الأسد سيكون حتما و مؤكدا خلال ستة أشهر كان كذلك خاطئا، و كما قدّرتم بأن عمر عاصفة الحزم لن يزيد عن شهر واحد كان هو الآخر خاطئا، بل لم يقتصر الامر على الخطأ و إنما ما ترتب عنها من كوارث سُجلت عارا على جبين تاريخ البشرية بدماء ابناء الامة؛ فأخشى أنه من المؤكد بأن قرار التدخل البري الذي لا رجعة عنه سينتهي بكارثة أخرى، غير أنها تختلف عما سبقها من كوارث.
لقد قلنا لكم من قبل بأن إسقاط النظام السوري أمر مستحيل، ليس لقوته فحسب، و إنما لكونه جزء من توازن القوى الدولية، لا يمكن بحال من الأحوال أن يفرط فيه، و لم تتصوروا حينها اي منذ أربع سنوات، بأن روسيا ستتدخل عسكريا بشكل قوي لدعمه، نحن كنا حينها نعتمد هذا التصور و نحسب حسابه، و اليوم لا تتوقعون دخول الصين عسكريا على الخط، عليكم أن تضعوا ذلك في حسابكم و تتأملوا جيدا الموقف.
حين يصرح ميدلديف مباشرة قبيل اجتماع بروكسل بأن دخول جيش أجنبي بريا للأراضي السورية يعني حربا عالمية، فالرجل هنا لا يطلق الكلام على عواهنه، و إنما هي رسالة واضحة المعنى للولايات المتحدة، التي كانت تتوقعها من قبل، ذلك ما ظهر على الأقل في حوار جون كيري مع أطراف المعارضة السورية، التي سرّب عناصرها أخطر و أهم ما جاء فيه، و كان يفترض التعامل معه بشكل جدي و ليس كما ظهر من قراءات صبيانية على صفحات بعضهم، و ذلك بقوله: “لا تتصوروا أننا سنخوض حربا ضد روسيا من أجلكم”.و هذا المبدأ لا ينكره إلا جاهل أرعن؛ يعني يفترض أن قادة السعودية و صناع الرأي فيها، أن يفهموا بأن تصريح جون كيري يعنيهم هم كذلك. و حين يطلق ميدليدف وصف “عالمية” فهو لا يعني روسيا و ايران و إنما يعني قطبا دوليا يضم كثيرا من الدول، تقف بحكم توازن القوى التي تشكل كتل مصالحها، في وجه قطب آخر يسعى للهيمنة المطلقة على الجميع، و هذا القطب الدولي ساحات تقليم أظافره متعددة، أبرزها بالنسبة لنا سوريا.
و على ما تقدم ذكره، فلا يتصور الاخوة في الخليج العربي كُتّابا كانوا أم أصحاب القرار، بأن هذا القطب سيبقى مكتوف الايادي إذا مضت في قرار الدخول البري، و إلا عدّ الأمر سفها في العقل، كما عليهم أن يحسبوا حساب نقل الصراع آليا الى ساحاتهم الداخلية، لإشغالهم بأنفسهم عن الساحة السورية، و لا شك بأنه منفصل عن الواقع من يعتقد بانعدام الأدوات القابلة للاشتعال، و أن مجتمعاتهم خالية من أي نازع بشري يعشق الرقص مع الشياطين؛ فالشعوب -إن صح الوصف- الخليجية فيها من الصواعق ما في غيرها، هذا إن لم نقل أكثر و أخطر.
أخيرا؛ يبدو لنا كمراقبين بأن العالم الغربي تقاطعت مصالحة بشكل مطابق مع المعسكر الشرقي، و كليهما يريد أن يتخلص من أنظمة الخليج من جهة، و من خطر قوة تركيا و ايران الصاعدتين، فأنظمة الخليج لمن يتأمل باتت تلاحقها بشكل غير مسبوق، مقالات في الصحافة و الاعلام الغربي، تعرّي عيوبها و تتبع عوراتها، و تصنفها ضمن الانظمة الدكتاتورية الرجعية المتعفنة، و هذا قد يكون تمهيدا لقلب الصورة لدى الرأي العام و تهيئته للحظة الانقلاب عليها، و إنما تشجعها للدخول البري في سوريا، لعلمها بأن الطرف المقابل سيشعل الحرب داخلها، و هي الفرصة التي يتربصها العالم الغربي، بل سيذكي شرارتها و ينفخ في جمرها لا محالة؛ و من جهة فقد استدرج تركيا كذلك بتشجيعه “اللفظي” نحو الصدام المتصاعد مع النظام السوري الى درجة الاغترار بالاصطدام المباشر مع روسيا، و ذلك حين أسقطت طائرة السوخوي؛ و قد رأينا كيف تركت تركيا وحيدة في مواجهة تبعات موقفها من الازمة السورية، سواء على صعيد اللاجئيين أو على صعيد خسائرها الفادحة نتيجة قرارات روسيا.
ندعو الاخوة في الخليج دون ملل و لا كلل مرة أخرى لمراجعة سياساتهم و قراءاتهم، و ليضعوا احتمالا ضئيلا لكونهم مجرد بشر مثل غيرهم يصيبون و كذلك يخطئون، و عليهم جديا التأمل فيما يعتقدون كنظرية “لماذا لا يفهمنا العالم؟”، و ليبحثوا بدلا عن ذلك في: “لماذا هم لا يفهمون العالم؟”؛ و ليتأكدوا هذه المرة كما أكدنا لهم في منعطفات سابقة: يستحيل أن تجني في الرياض عنبا، بعد أن تزرع الشوك في سوريا.
فلاح جزائري
اسماعيل القاسمي الحسني