
المغرب دولة الكلّ، دولة المتناقضات والمضادّات بامتياز، تجد فيه من كل فنّ طرب. تزاوج غريب وعجيب لقيم وإديولوجيات متناقضة، غربية، شرقية، إسلامية ..
مجتمع متنوّع بامتياز، ونظام حكم يحاول الإمساك بكل الخيوط: الدين و العِرق، المحافظة والليبرالية، الثّورة والملكية التنفيذية، أوروبا وإفريقيا..وأسيا. ناضل لعقود وهو يحلم بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وقفز إلى أسيا حين كان على وشك الانضمام لمجلس التّعاون الخليجي..
كيف يمكن لدولة متخلّفة بقرون أن تطمع في الوقوف نداً لفرنسا وألمانيا…وكيف لدولة تقع على المحيط والمتوسّط، على قدمي إفريقيا وعلى مرأى من أوربا، أن تكون عضو بتجمع جغرافي يقع على الخليج العربي؟!
كيف لإمارة المؤمنين أن تتّبع وتستقي منظومة قانونية، وسياسية غربية مستمّدة بالكامل من السّيدة العلمانية فرنسا ” التي تبين أنها رجل في نهاية المطاف” ،وتتمسك بالمرجعية الدّينية كوسيلة لامساك كل خيوط السّلطة بيد من حديد؟!
كيف يمكن لملكية نافذة شمولية تمسك كلّ مفاتيح الحكم صغيرها وكبيرها، أن تتبنّى ثورة شعبية؟ وتلتفّ عليها بعد ذلك بالطّبع.
ويبقى السّؤال الأهم: هل فقد المغرب كلّ شيء، خلال محاولته الإمساك بكلّ شيء؟
يقول أرسطو: لكل مخلوق غاية، وغايته تحدّد طبيعته. إذن ما هي غاية المغرب؟ وماذا يريد؟
الملاحظ لمجريات الأمور، يستفزّه هذا التّذبذب وهذه الضّبابية التي تسم دولة تحاول أن تبدو بمظهر سياسي شرعي، وفي نفس الوقت تستمر في ممارسات قمعية، واستبدادية بامتياز. وتقع في تناقض صارخ أمام تضارب تصرّفاتها داخليا وخارجيا.
وبافتراض رغبتها في تحقيق ديمقراطية بالتّقطير، على اعتبار أن الشّعب ما زال في مرحلة الرّضاعة، ولا يتحمل تفطيمه عبر جرعة كبيرة من الدّيموقراطية.
لذا كان الحلّ في نظر أصحاب الحال، هو تقطيرها له على مراحل تمتدّ إلى ما شاء الله. بافتراض أن الشّعب سيظلّ طفلاً لا يكبر أبدا، قاصر عن معرفة مصلحته، وعاجزا عن رؤية أبعد من لقمة الخبز التي يلهث وراءها العمر كلّه..
ولتحقيق المراد على أكمل وجه، لابد من وسائل الهاء معتبرة لشغله عن المطالبة بتحقيق انتقال ديمقراطي حقيقي، يشكّل قطيعة مع المسرحية الرّكيكة التي تُعرض الآن على المشهد السّياسي الوطني، والتي تمهّد لعودة وشيكة إلى الوراء، إلى سنوات الرّصاص والزّنك والنّحاس، حيث يُسمع صوت واحد، صوت جوقة المطبّلين. وتُخرس بقية الأصوات، بأية وسيلة، وبأي تهمة.
وفي نفس الوقت لابدّ من شراء مساحيق تجميل غالية، لاسترضاء الجهات الأجنبية، واحتلال مراتب غير مخزية في تصنيف الدّول حقوقيا و ديموقراطيا، حتى لا يشمت الأعداء، وحفاظا على ماء وجه الأصدقاء.
ويغرق الشّعب في الحيرة، هل يمارس الحرّيات التي هلّل لها الدّستور، ويصدّق أنّه يرفل في بلد ديموقراطي فعلي، أو يعود إلى القبر الذي كان يعيش فيه من قبل، في العتمة الرطبة للاستبداد، بعد أن انتهت سبع أيام ديال الباكور؟
المتتبّع للمسار السياسي للمغرب منذ الاستقلال، يدرك أننا ما زلنا في سنوات الحضانة السّياسية، وربما نحتاج لعقود أخرى، فقط لدخول المستوى التحضيري..!
فلا أحزابنا امتلكت النّضج، ولا ساستنا امتلكوا الجرأة، ولا القيادة العليا تنازلت عن دور الرّاعي الذي يخيف القطيع من ذئب مزعوم، مختبئ وراء الشّجيرات المحيطة بالمرعى..
وبقيت ممسكة بإحكام كلّ خيوط اللّعبة، دون أن يفلت منها سهوا أو عمدا خيط واحد، وقد رأينا في قضية الحسناوي خير دليل ، فلولا تدخّل المؤسسة الملكية لفتح تحقيق حول ملابسات ما حدث، لما كان هناك أي تحقيق في الأمر، ولمرّ الحادث مرور الكرام. وكأننا في فيلم وسترن لا يوجد فيه، لا قضاء ولا مصالح عدلية، ولا محاكم.. كلّ السّلطات بيد سلطة واحدة، هي القاضي والحاكم والمشرّع..والباقي رعاع، عفوا رعية.
عائشة بلحاج :كاتبة مغربية