1 ـ ها أنا أعود إلى الجزائر الحبيبة بعد غياب دام سبع سنين. تغيرت البلاد كثيرا واتجهت نحو الاستقرار، وتكاد تتجاوز ذكريات العقد الأليم الذي كلف البلاد الكثير من الأرواح والدمار والتراجع الاقتصادي. في هذا البلد العظيم كانت أولى خطواتي المهنية عندما جئت لأول مرة في سبعينات القرن الماضي لأدرس العربية لسنتين لتلاميذ ما بعد الاستقلال، الذين كان بعضهم يكبرني سنا وطولا وعرضا. كانت العربية هجينة لدى غالبية الشعب الجزائري.
وكم كان الرئيس الراحل هواري بومدين حريصا على نشر اللغة العربية بشكل واسع وسريع، فاستقبل آلاف المعلمين من الشرق ليس لنشر اللغة فحسب، بل كنوع من رد الجميل لأمة العرب التي وقفت مع شعب الجزائر تضامنا وتطوعا وتبرعات. لقد فرض على كل وزير أو مسؤول أن يتعلم العربية، بل وكان بعض الوزراء يتابعون دروس محو الأمية كي لا يفقدوا وظائفهم. لقد لاحظت تحسن الأداء باللغة العربية أثناء زياراتي المتكررة للجزائر، للمشاركة في مؤتمرات تنظمها الأمم المتحدة. صحيح أن اللغة الفرنسية ما زالت قوية وحاضرة في كل مجال، لكن العربية أصبحت مستقرة في وجدان كل جزائري وجزائرية. وكم سعدت عندما أصر المشاركون من أعضاء البرلمان الجزائري الجدد في ورشة العمل الإعلامية التي جئت لتنظميها، على استخدم اللغة العربية فقط. يتحدثون بعربية مرسلة طليقة بلكنة جزائرية، وعندما يتلفظ أحدهم بكلمة فرنسية يسارع الى سحبها واستبدالها بمفردة عربية سليمة. كان الراحل بومدين يقول إن الجزائر تستطيع أن تضمن عيشا كريما لـ60 مليون جزائري. ففيها من الخيرات والإمكانات والموارد ما يجعلها دولة إقليمية عظمى، لكن سنوات الصراع أخرت هذا المشروع طويلا. وها هي الآن تخطو خطوات واثقة نحو مستقبل أفضل، فقد سددت كافة ديونها وهناك فائض في الميزانية، لكن البطالة ما زالت تزيد قليلا عن 10′ وتحديات التنمية المتوازية والمدروسة والمستدامة ما زالت كبيرة.
2 ـ لا أحد يتحدث عن صحة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. قلق صامت بدده ظهور الرئيس من مشفاه بفرنسا يوم الثاني عشر من شهر حزيران/يونيو الحالي. كل من يذكر اسم الرئيس يضيف ‘شفاه الله وأعاده إلى الجزائر سالما’. البلاد بخير ما دامت المؤسسة الحاكمة في الجزائر متماسكة، وهي فعلا كذلك. التوافق على مسيرة البلاد الحالية القائمة على السير قدما وبخطوات مدروسة نحو الديمقراطية التعددية موضع إجماع الثالوث الحاكم، الحكومة والجيش والحزب. الانتخابات البرلمانية السابقة في أيار /مايو عام 2012 تشكل على أثرها برلمان قوي أنصف المرأة بعد طول غياب، حيث أقر نظام الكوتا (أو المحاصصة) 30′ من أعضاء البرلمان للعنصر النسائي. كم كان دور المرأة فاعلا في الثورة، لكنها وجدت نفسها على هامش المجتمع. كم أبدع حيدر حيدر في رائعته ‘وليمة لأعشاب البحر’ في تصويره الدقيق لتهميش المرأة الجزائرية بعد الاستقلال. ونفس الموضوع يتكرر كثيرا في روايات الكاتبتين الجزائريتين أحلام مستغانمي وآسيا جبار المرشحة لجائزة نوبل. نساء جزائريات دخلن التاريخ بأدوارهن العظيمة في الثورة، خاصة جميلة بوحيرد التي سجنت وحكمت بالإعدام وحدد التنفيذ يوم 7 آذار/مارس يوم 1957، ولكن التضامن العالمي معها رفع حبل المشنقة عن عنقها وتحول إلى سجن مؤبد، غادرته بعد الاستقلال، أطال الله في عمرها وشفاها من مرضها. ومنهن جميلة بو عزة وزهرة ظريف والشهيدة حسيبة بن بوعلي، التي آثرت الموت مع المناضل علي لبوانت في حي القصبة بعد رفض الاستسلام وتفجير الملجأ فوق رؤوس الثوار، تلك القصة التي خلدها الفيلم الإيطالي الجزائري الشهير ‘معركة الجزائر’. سجلات وزارة المجاهدين يحتوي على أسماء 11000 مناضلة شاركن في الثورة. تقول المناضلة لويزة أحريز عن المرأة الجزائرية بعد الثورة: ‘قالوا لنا: لقد قمتن بواجبكن، وانتهى دورُكن، وحان الوقت لتتفرّغن لإقامة أُسر وإنجاب أطفال يخلفن هذا العدد الكبير من الشهداء’. لقد جاءت انتخابات السنة الماضية لتتوج رحلة طويلة من نضال المرأة الجزائرية لانتزاع حقوقها، التي ثبتها الدستور، سواء في ما يتعلق بالزواج أو الطلاق أو الحضانة أو الوراثة أو منح الجنسية للأطفال أو الارتقاء في مناصب الدولة الرفيعة. وقد كانت لويزة حنون أول مرشحة رئاسية نافست الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة في الانتخابات الرئاسية لعامي 2004 و2009. ولويزة هي الأمينة العامة لحزب العمال الديمقراطي، الذي يشغل أربعة وعشرين مقعدا في البرلمان. لكن الطريق ما زال مفتوحا لانتزاع المزيد من الحقوق للوصول إلى مستوى يليق بتضحيات المرأة الجزائرية أيام ثورة المليون شهيد.
3 ـ سؤال تردد على كل المستويات لماذا قفز الربيع العربي عن الجزائر، علما أن مظاهرات عارمة عمت الشوارع الجزائرية في شهري كانون الثاني /يناير وشباط /فبراير 2011. لماذا فشلت المظاهرة المليونية التي دعت إليها ‘لجنة التنسيق الوطنية من أجل التغيير والديمقراطية’ ليوم 12 فبراير 2011 ولم يستجب للدعوة أكثر من ثلاثة آلاف متظاهر، كان عدد الشرطة يفوقهم بعشرة أضعاف. قامت محاولات أخرى لإعادة الزخم للمظاهرات الشعبية لكنها فشلت. الحقيقة أن الدولة تعاملت بذكاء مع المظاهرات، فمن جهة عرضت الجزرة أولا وكانت العصا مخبأة خلف الظهر. فقد ألغت الدولة قرارا برفع الدعم الحكومي للسلع الأساسية، كما ألغت قانون الطوارئ فورا الذي يمنع المظاهرات منذ عام 1992 والتزمت بهذا الإلغاء. ووعدت بإجراء إصلاحات سياسية جدية، ووسعت هامش حرية الصحافة وسمحت للقنوات الجزائرية الخاصة أن تبث بحرية، رغم أنها ما زالت مسجلة في الخارج مثل الأردن. ومن بين الأسباب الأخرى التي فسرت هذه الظاهرة عزوف الشعب الجزائري عن المواجهات والعنف بعد أكثر من عقد من المواجهات الدموية مع المتطرفين الإسلاميين بعد إلغاء انتخابات 1991. لقد باعدت النقابات نفسها عن تلك الدعوات وفضلت العمل السلمي ضمن المؤسسات لتحقيق المزيد من المكاسب، مما أفقد الحركة الاحتجاجية قوة دفع كبيرة. ويقول بعض الجزائريين إن الربيع الجزائري وصل مبكرا قبل الربيع العربي. فقد انتفضت الجزائر عام 1988 بعد انهيار أسعار النفط وتدخلات صندوق النقد الدولي، الذي فرض على الدولة رفع الدعم الحكومي عن السلع الأساسية والاتجاه نحو الخصخصة، مما خلق وضعا اقتصاديا مأساويا تحركت على أثره الجماهير بالملايين وطالبت بالديمقراطية والحرية وفرضت إلغاء الدكتاتوية وقيادة الحزب الواحد بعد سقوط نحو 500 ضحية. استجاب الرئيس الجزائري آنذاك، الشاذلي بن جديد، فأوقف العمل بالدستور القديم. وعبر استفتاء شعبي تم إقرار دستور جديد يسمح بالتعددية السياسية والانفتاح وحرية الصحافة، ولكن الأحداث الدموية التي انطلقت بعد إلغاء الانتخابات أخر المسيرة نحو الديمقراطية. لقد وجدت الحكومة فرصة مناسبة مع انطلاق المظاهرات التي تزامنت مع بداية الربيع العربي للإسراع في عملية توسيع الحريات وإلغاء قانون الطوارئ ورفع المستوى الاقتصادي والتحكم في نسبة التضخم، ساعدها في ذلك ارتفاع أسعار النفط والغاز لتبدأ سلسة من المشاريع التنموية الكبرى، خاصة في المناطق الريفية والصحراوية النائية.
4 ـ ما زالت العلاقات بين المغرب والجزائر متوترة بسبب قضية الصحراء الغربية. الحدود البرية مغلقة وتبادل الزيارت الرسمية قليلة والتقدم نحو حلحلة هذا الملف يبدو بعيد المنال، واتحاد المغرب العربي الذي انشئ عام 1989 ما زال معطلا. لقد تمسكت كافة القيادات الجزائرية المتعاقبة الالتزام المبدئي والخلقي بحق الصحراويين في تقرير مصيرهم ولم تساوم على هذه القضية. وبقيت تقف الجزائر إلى جانب الشرعية الدولية الممثلة في قرارت مجلس الأمن المتعاقبة، التي تقر مبدأ الحل السياسي للملف على أساس حق تقرير المصير، عبر استفتاء حر وعادل وشفاف يقر فيه الصحراويون الذين ثبت انتماؤهم للقبائل الأساسية قاطنة الصحراء الغربية عن طريق تحديد هوياتهم عبر بعثة الأمم المتحدة لمراقبة الاستفتاء في الصحراء الغربية ‘مينورسو’، يقرون فيه ما إذا كانوا يرغبون في الانضمام للمغرب أو يختارون الاستقلال. المغرب من جهته يتهم الجزائر بانها تعطل الحل لأنها تريد أن تضعف المملكة عبر قيام دولة لا تملك مقومات الدولة، لتصبح كيانا تابعا للجزائر ويفتح الطريق امامها للوصول إلى مياه المحيط. لا أحد تحاوره هنا إلا وأبدى تعاطفا مع حق الصحراويين في تقرير مصيرهم، وتتحمل الجزائر عبئا ثقيلا في استضافة نحو ربع مليون لاجئ صحراوي يعيشون في ظروف قاسية في منطقة تندوف الصحراوية، التي قد تصل الحرارة فيها في يوم من أيام تموز/يوليو إلى 55 درجة في الظل. إنهم اللاجئون المنسيون، كما يسميهم الكثير من الكتاب وناشطي حقوق الإنسان. عن معاناة هؤلاء اللاجئين ستكون هناك متابعة لاحقة.
د. عبد الحميد صيام
أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك