خطب
الملك المغربي محمد السادس بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية لبرلمان بلده، رغم أن هذا
في حد ذاته ليس بالحدث، لأن المناسبة الاستعراضية ليست سوى جزءا من المشهد
الفولكلوري ضمن المظهر السياحي للمملكة لجذب كل أنواع السياح، وتلبية رغباتهم المتنوعة
سواء منهم ضيوف فندق المامونية أو من تبهرهم حلقات جامع الفنا.
خطاب
جلالته الذي جاء مؤكدا على أقدمية التجربة البرلمانية المغربية، وأهمية مسؤولية
السادة النواب، ودورهم الحساس في إدارة شؤون البلاد داخليا وخارجيا، يذكر جزؤه
الأول بخطب من سبقوه ممن أصبحوا يعرفون بملوك المغرب بعد أن خلع محمد بن يوسف لقب
السلطان ليتخذ صفة الملك. أما جزؤه الثاني فهو نوع من توريط النواب ومن خلالهم
كافة الشعب المغربي المغلوب على أمره ـ ولن يبقى على ذلك الحال إلى ما لا نهاية ـ
في قضية يتخذ منها العرش وخدامه فزاعة لإبعاد يوم الحساب العسير الذي بات أقرب من
أي وقت مضى، ذلك اليوم سيسألهم فيه الشعب المغربي عن أبنائه الذين قضوا في رمال
الصحراء، وعن أمواله التي أنفقت هدرا على حرب توسعية ظالمة ضد شعب عربي مسلم ومسالم
وجار؟ ولماذا لم تخصص تلك الأموال لخلق مناصب شغل؟ ولماذا يموت شباب مغاربة في
قوارب الموت بحثا عن لقمة عيش كريمة؟ لماذا يقتل عرب مسلمون جيران لهم ويدفنون في
مقابر جماعية؟ ولماذا، ولماذا... لكن كيف كان الخطاب؟
Ⅰـ
الجزء الأول: تكرار ممجوج لوعود تقادمت
أمثلة
من خطب الملوك:
خطاب الملك محمد الخامس بتاريخ: 07/11/1958
قال وهو يخاطب المجلس الاستشاري المعين من قبله هو ـ قبل
تأسيس ما يعرف اليوم بالبرلمان المغربي ـ {"و إنكم لتعلمون إننا كنا أعلنا في
عدة مناسبات، ومنذ زمن بعيد، عزمنا على تزويد البلاد بنظام ديمقراطي سليم في نطاق
ملكية دستورية "}.
عزم
سلطاني يتأكد بوعد ملكي بتزويد البلاد بنظام ديمقراطي سليم في نطاق ملكية دستورية،
وإشهاد المستشارين على ذلك العزم، لكن الزمن برهن على ثمار تلك الإرادة وتلك
العزيمة، خاصة بعد أن جاوز عمر الهيئة الموقرة الخمسة عقود.
خطاب الحسن الثاني في 09/10/1987
{"إنكم
تعلمون ـ وأريد مرة أخرى أن تعلموا أكثر ـ الفرح العميق الذي أحس به كلما وقفت
بينكم في هذا المجلس الموقر المحترم لأفتتح الدورة التشريعية لبرلمانكم، ودواعي
تلك الفرحة هي دواعي شتى.
أولا
: لأنني ديمقراطي الطبع والطبيعة، وأحس بنفسي بين أهلي وذوي حينما أكون معكم.
علينا
أن نعلم حضرات السادة ـ وتعلمون هذا ـ أن الخطى التي خطوناها مرحلة مرحلة منها ما
كانت خطى واسعة ومنها ما لم نحس بها أبدا، ولكن كان دائما مشيا حثيثا يرمي قبل كل
شيء إلى أن لا يبقى أي مغربي في هذا البلد يمكن أن يقول لست مسؤولا، فاللامركزية
التي أردناها وبنيناها بحمد الله وشكره وقفنا على آثارها ومآثرها، تلك اللامركزية
هي التي تجعل كل أحد في المغرب في أي ميدان كان يوما ما بعمل ما شارك في إنجاز
مشروع ما."
إذاً، الحسن الثاني ملك ديمقراطي الطبع والطبيعة، والنواب يعلمون ذلك ويريدهم
أن يعلموا ذلك أكثر. كيف لا، وقد سبق لوالده أن وطد العزم على تمكين البلاد من
نظام ديمقراطي سليم في إطار ملكية دستورية!! ألم يقل بأن خطواته كلها تهدف إلى أن
لا يبقى أي مغربي يستطيع القول بأنه غير مسؤول عما يجري في البلد؟ أي هو مسؤول عما
سببته الأطماع والحروب التوسعية من هدر للإمكانيات المغربية، وما نتج عن ذلك من
تأخر في نمو البلد، وانتشار مدن الصفيح، بل وحتى قوارب الموت. وما ترتب على كل تلك
السياسات من تدابير كسنوات الرصاص مثلا، وما أثمرت من حدائق سرية ذاع صيتها في آݣدز
ومڭونة ودرب مولاي الشريف ولقنيطرة وغيرها مما يؤكد طبع الملك وطبيعته الديمقراطية
التي جعل نواب الشعب المحترمين شهودا عليها بتصفيقهم الحار في تلك الجلسة وفي
حفلات أعياد الولاء طيلة 32 سنة.
خطاب محمد السادس في 11 أكتوبر
2013
أما الذكرى الخمسون لتأسيس
الهيئة التشريعية المغربية الموقرة فلم تكن إلا كسابقاتها. يفتتحها الملك بخطابه
الرسمي، مع تميزها بحضور أعضاء الغرفتين ليجدد ما قاله أبوه وجده، حول ديمقراطية
المغرب الموعودة منذ أكثر من نصف قرن من الزمن، ولم تأت بعد.
{"الممارسة البرلمانية التعددية
ببلادنا ليست وليدة الأمس، بل هي خيار استراتيجي يمتد على مدى نصف قرن من الزمن،
نابع من الإيمان العميق للمغرب وقواه الحية، بالمبادئ الديمقراطية. وهو ما يجعل
النموذج البرلماني المغربي، رائدا في محيطه الجهوي والقاري"}.
لكن ما ذا يقول الواقع، ولنتخذ مثالا مما يقوله المغاربة:
يصف
الكتاب المغاربة ومعهم الكثير من المختصين في تاريخ وتطور وأداء البرلمانات في
العالم، البرلمان المغربي وخاصة الحالي على أنه أضعف برلمان عرفه المغرب منذ
استقلاله، ويعددون الكثير من الأسباب لذلك. من أهمها هيمنة القصر وحاشيته على
الحياة السياسية للبلاد، كون نظامه نظام ملكي تنفيذي شمولي يمسك بيد من فولاذ على
الحياة السياسية المغربية، وقد نجد فيما كتبه خالد الصلعي في مجلة الحوار المتدن
عدد 4059 بتاريخ: 11/04/2013 ما يسلط الضوء على وضع المؤسسة التشريعية التي يصفها
الملك محمد السادس بالمثال المتميز بتعدديته ونموذجيته الإقليمية والقارية، حيث يقول
الصلعي:
{" نظام ملكية تنفيذية تهيمن على
الحياة السياسية المغربية بيد من حديد، وسلطته لا تراجع. ويستند في تنفيذيته
وهيمنته على الحياة السياسية بأدوات لها نفوذها الكبير على الفعل السياسي
كالاقتصاد والدين والاعلام ...الخ .
اذن فالبحث سيركز على صورة البرلمان المغربي
كتشكيل شكلاني لا فاعلية له، ولا دور له، غير دور التابع والمنفذ لتوجيهات ملكية –سامية
ـ، وكاستراتيجيات فوقية لا سبيل الى الطبقة السفلى لمعارضتها او توجيهها وتعديلها
.
فعندما نلفظ مصطلح البرلمان يتبادر الى
الذهن مباشرة مفهوم التمثيلية، سواء الاقليمية أو المهنية، أو الاجتماعية، على
اعتبار أن المنتخبون هم اختيار الشعب، وللشعب ميول شتى ومتعارضة أحيانا، فقد ينتخب
المرشح البسيط معززا بسلوك اجتماعي وبعلاقات انسانية تستميل اهل منطقته، وقد ينتخب
رجل أعمال باستخدامه المال في استمالة المحتاجين، وقد ينتخب رجل علم أو مثقف
لقدرته على التأثير الخطابي على الناخبين. وهناك طبعا مداخل أخرى لفوز أحدهم بمقعد
انتخابي، ويبقى التزوير كما عشناه في المغرب لأزيد من نصف قرن المدخل الأساس
لولوج قبة البرلمان. وهنا يبقى من نافل القول إن الدولة تلعب كل الأدوار في
عملية التزوير. بيد أن دور البرلمان يبقى الركن الأساس في دراسة هذه المؤسسة،
باعتباره المؤسسة التشريعية الوحيدة في النظم الديمقراطية، وان كان في العالم
الديني والاسلامي أساسا دور هام للمؤسسات الدينية النظامية والعشوائية على حد سواء
.
لكنه ظل أضعف برلمان في تاريخ المغرب،
وكأن كل فصول الدستور الجديد لم يتم استيعابها، أو أن اللعبة اصبحت مكشوفة ولا
تستحق البحث فيها الا لتعزيز تصورات قائمة واثبات عدم جدية النظام السياسي الحقيقي
الذي يسوس شأن المغاربة. وها نحن اليوم نعيش بنظام برلماني مشلول ومزور ومفروض على
المغاربة، مما يفقد البرلمان المغربي شرعيته الدستورية ويرهن البلاد في لعبة الدول
الهجينة "}.
Ⅱـ الجزء الثاني: تهرب من المسؤولية واعتراف بالفشل
جاء
الخطاب على عكس خطب سابقة تغنت كلها بانتصار مغربي مؤزر، وهللت لموقف مدعوم
بإجماعين اثنين، الأول محلي يتمثل في التفاف الشعب المغربي خلف قائده وإجماعه على
الدفاع عن قضيته الأولى المتمثلة في "مغربية الصحراء"، والإجماع الثاني
هو التأييد الدولي للمقترح المغربي بصفته مقترحا جديا ومعقولا بل هو الحل الوحيد الأمثل
لنزاع الصحراء الغربية. بيد أن الخطاب هذه المرة أخبر الشعب المغربي بغير ذلك، حيث
أقر الملك شخصيا بصعوبة الوضع، ونصح بعدم الإفراط في التفاؤل وأكد وجود اختلالات
في تدبير الملف، والكل يعلم أنه لو جاء هذا الكلام من غير الملك فالله وحده يعلم
مآله ومصيره. قال الملك:
{"فقد واجهت قضية
الصحراء، خلال هذه السنة، تحديات كبيرة (...) غير أنه لا ينبغي الاكتفاء بكسب هذه
المعركة، والإفراط في التفاؤل (...) فقد لاحظنا بعض الاختلالات في التعامل مع
قضيتنا المصيرية الأولى، رغم التحركات الجادة التي يقوم بها بعض البرلمانيين. إلا
أنها تظل غير كافية (...) وهو ما من شأنه تشجيع خصومنا على الرفع من مستوى
مناوراتهم لإلحاق الضرر ببلدنا"}.
والسؤال
هو: لماذا الصعوبات هذه السنة، أين ذهب الإجماع حول القضية الأولى؟ والإجماع
الدولي حول المقترح المغربي، هل تبخرا بين عشية وضحاها؟
لكن
جلالته لم يكشف عن الأسباب، بل ألقى باللائمة على الفاعلين السياسيين المغاربة،
حيث قال:{" ذلك أن أغلب الفاعلين لا يتعبأون بقوة، إلا
إذا كان هناك خطر محدق يهدد وحدتنا الترابية، وكأنهم ينتظرون الإشارة للقيام بأي
تحرك
"}.
والسؤال هو: من هو الآمر الناهي في البلاد، الذي يسعد ويشقي بجرة القلم المتوارث
عن الأجداد؟
ثم يتجاوز عن الأمر ليعوّم المسؤولية في كلام
فضفاض يخفي الحقيقة التاريخية، {"ذلك أن قضية الصحراء ليست فقط مسؤولية ملك
البلاد، وإنما هي أيضا قضية الجميع: مؤسسات الدولة والبرلمان، والمجالس المنتخبة،
وكافة الفعاليات السياسية والنقابية والاقتصادية، وهيئات المجتمع المدني، ووسائل
الإعلام، وجميع المواطنين"}.
وقد
يتساءل المغاربة بعد هذا الخطاب متى استشيروا في الموقف من قضية الصحراء الغربية، بل
جميعهم يتذكرون أن الوحيد الذي استشاره ملكهم الراحل الحسن الثاني، كان منجّم أو
ساحر مراكشي اسمه "سي الحبيب"، أما غيره فلم يكونوا سوى منفذين لتعليمات
"سامية" غير قابلة للنقاش ولا المراجعة.
هل
قصد الملك أنه لم يكن هناك من إجماع حول مغربية الصحراء، حيث الفاعلين السياسيين
لا يحركون ساكنا إلا بأمر، وأراد أن يشركهم في المسؤلية حين باتت خطط التوسع
محاصرة تكال لها الضربات في المنابر الدولية، وتستعر تحت أقدامهم نار انتفاضة شعب
يرفض الركوع لغير الله، ويردد يوميا في قراه ومداشره قبل مدنه "لا بديل، لا
بديل عن تقرير المصير".
نعم
هناك اختلالات الباطل الذي يدمغه الحق يوميا، والباطل زهوق بطبيعته، وها هو الملك
يعترف بأن الأمور لم تحسم بعد، ويعود ليؤكد أنه: {"على الجميع أن يتعبأ
داخليا وخارجيا"}، لكن لماذا ومن أجل ماذا؟ ألا تكفي 38 سنة من التعنت
ومجانبة الصواب؟ ألم يحن الوقت للاقتناع بأن الحق يعلو ولا يعلى عليه، وأنه لا
يمكن تغطية الشمس بغربال، وأن ممارسة الشعب الصحراوي لحقه غير القابل للتصرف في
تقرير المصير والتمتع بسيادته كاملة فوق أرضه، هو الطريق الأسهل والأسلم والأصوب
لإنهاء نزاع الأشقاء الذي افتعله القصر في حقبة زمنية لحاجة في نفس يعقوب وأصبح
رهينة خيار ظرفي، يتطلب التراجع عنه التحلي بكثير من الشجاعة والعزم.
وما
دام الملك يحيل المسؤولية إلى الشعب فقد تكون هذه هي فرصة المغاربة لطرح الكثير من
الأسئلة التي ربما تقض مضاجعهم، مثل، من كان وراء قرار العفو عن مغتصب أطفال
المغرب؟ من وافق على استضافة المؤتمرات اليهودية في المغرب؟ من هو المسؤول عما
يشهده الاقتصاد المغربي من تباطؤ وتدهور؟ متى تصل سفن الديمقراطية والملكية
الدستورية، التي ينتظرها المغاربة منذ الاستقلال إلى اليوم؟ متى سيشهد المغرب مساءلة
ومحاسبة المفسدين ويضرب على أيدي ناهبي المال العام تحت بريق ولمعان صور وبرامج
تلفزيونية حول زيارات وتدشين مشاريع للمستثمر الأول في البلاد؟
سبق
لكاتب مغربي أن كتب كتابا عنونه بـ: من يمتلك المغرب؟ وربما قربت الإجابة عن ذلك
السؤال.
مصطفى الكتاّب
14/10/2013
