يكشف رئيس الدبلوماسية الجزائرية السابق، الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، في الجزء الثالث من مذكراته، الذي صدر حديثا عن منشورات “القصبة” بعنوان “مذكرات جزائري... هدف غير منجز”، بالتفصيل خلفيات وأبعاد السجال الذي دار بين عبد العزيز بوتفليقة، ومحمد الصالح يحياوي بالخصوص، لخلافة الرئيس بومدين بعد وفاته.
وكيف أن الجيش تدخّل مجددا لحسم الوضع واختيار رئيس جديد ممثل في الرئيس الشاذلي بن جديد. كما استعرض ملابسات تطور العلاقات الجزائرية الأمريكية، وكيف ساهمت الجهود الدبلوماسية الجزائرية في تحرير الرهائن الأمريكيين بإيران في 1980 في أن تكون نقطة تحوّل لتقارب سياسي واقتصادي على محور الجزائر واشنطن. كما عاد الدكتور إلى جوانب من مساره المهني في السياسة الخارجية، متوقفا عند أهم المحطات التي شغل خلالها منصب وزير الدولة ووزير للخارجية في وقت لاحق خلال فترة ترأس الشاذلي بن جديد. وقد أفرد الدبلوماسي جانبا للمهام التي قام بها باسم الجزائر، فكان مفاوضا ووسيطا ومبعوثا لقادة العالم، كاشفا كيف أن قضية الصحراء الغربية وفلسطين كانتا أولوية الدبلوماسية الجزائرية. كما تضمنت المذكرات رأي الدكتور بخصوص أحداث 5 أكتوبر 1988، وكيف وجد الرئيس بن جديد نفسه وسط تيارين متصارعين يرغبان في إصلاحات مختلفة، ليستنتج أنه ليس محمد الشريف مساعدية هو من كان “كبش فداء”، بل حتى هو شخصيا.


- See more at: http://www.elkhabar.com/ar/autres/manchourat/361320.html#sthash.IKao4ncq.dpuf
وكيف أن الجيش تدخّل مجددا لحسم الوضع واختيار رئيس جديد ممثل في الرئيس الشاذلي بن جديد. كما استعرض ملابسات تطور العلاقات الجزائرية الأمريكية، وكيف ساهمت الجهود الدبلوماسية الجزائرية في تحرير الرهائن الأمريكيين بإيران في 1980 في أن تكون نقطة تحوّل لتقارب سياسي واقتصادي على محور الجزائر واشنطن. كما عاد الدكتور إلى جوانب من مساره المهني في السياسة الخارجية، متوقفا عند أهم المحطات التي شغل خلالها منصب وزير الدولة ووزير للخارجية في وقت لاحق خلال فترة ترأس الشاذلي بن جديد. وقد أفرد الدبلوماسي جانبا للمهام التي قام بها باسم الجزائر، فكان مفاوضا ووسيطا ومبعوثا لقادة العالم، كاشفا كيف أن قضية الصحراء الغربية وفلسطين كانتا أولوية الدبلوماسية الجزائرية. كما تضمنت المذكرات رأي الدكتور بخصوص أحداث 5 أكتوبر 1988، وكيف وجد الرئيس بن جديد نفسه وسط تيارين متصارعين يرغبان في إصلاحات مختلفة، ليستنتج أنه ليس محمد الشريف مساعدية هو من كان “كبش فداء”، بل حتى هو شخصيا.
الدكتور طالب يعترف في الجزء الثالث من مذكراته
فشلت في إضفاء الأخلاق على السياسة
صدر عن منشورات “القصبة”، الجزء الثالث من مذكرات الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، وتغطي مرحلة حكم الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد من جانفي 1979، إلى غاية نوفمبر 1988. وضم الجزء الثالث من هذه المذكرات وفق ما جاء في مقدمة الدكتور طالب، “الخلدونية” أهم الأحداث السياسية التي ميّزت هذه المرحلة الحاسمة، سواء أكان على مستوى السياسة الداخلية، أو على مستوى السياسة الدولية.
ذكر الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، أن الجزء الثالث من مذكراته يحتوي على نظرته لأحداث حاسمة عرفتها الجزائر بين 1979 و1988، تطرق لها من زاوية خلدونية، تعتمد على سرد الأحداث، مع التركيز على استخلاص الدروس حول المرحلة الراهنة. وتحدث عن الخيبة التي أصبح يشعر بها بسبب الأوضاع التي آلت إليها البلاد، بعد أن فشل في نضاله من أجل “إضفاء الطابع الأخلاقي على السياسة”. كما تحدث عن فشل جيل أول نوفمبر الذي تمكن من تحرير البلاد، في تمرير رسالة الثورة للأجيال الجديدة، وعبّر عن رغبته في بروز وثبة سياسية جديدة، يقوم بها الشباب تحقق “هدفا ديمقراطيا، وتضفي الطابع الأخلاقي على الحياة السياسية، بغية وضع حد للرشوة”.
ويغطي الجزء الثالث من هذه المذكرات التي جاءت في سبعمائة صفحة، على قسمين من عدة فصول. ويغطى القسم الأول المرحلة التي شغل فيها الدكتور طالب منصب وزير مستشار لدى رئيس الجمهورية، بين جانفي 1979 وماي 1982، وركز من خلاله على عدة قضايا حاسمة، منها “مؤتمر حزب جبهة التحرير الوطني، وانتخاب الرئيس بن جديد”، ومسألة إنشاء مجلس المحاسبة، اعتبارا أنه كان يحرص شخصيا على جعل الرئيس بن جديد يعمل بوصيات الرئيس الراحل هواري بومدين. كما تناول الدكتور طالب في هذا القسم، دوره كرئيس للجنة التربية والثقافة في الحزب، وكذا رأيه في الرئيس بن جديد، معتبرا إياه كرئيس “أراد فرض نفسه”. كما لا يخلو القسم الأول من الكتاب، من آراء حول قضايا دولية، منها الصحراء الغربية، وظروف مصرع وزير الخارجية الأسبق محمد الصديق بن يحيى.
أما القسم الثاني من مذكرات الدكتور طالب، فيغطي المرحلة ما بين ماي 1982 ونوفمبر 1988، وهي المرحلة التي شهدت تعيينه في منصب وزير الخارجية. وركزت فصول هذا القسم على عدة قضايا دولية، مع العودة إلى مظاهر سياسية داخلية وأحداث حاسمة، منها بعض المشاكل التي بدأت تعرفها البلاد بعد الأزمة الاقتصادية لسنة 1986، وكذا أحداث أكتوبر 1988.
وكشف الدكتور طالب في مقدمة الكتاب، أنه شرع في كتابة الجزء الرابع من مذكراته، ليغطي المرحلة ما بين نوفمبر 1988 إلى غاية أفريل 2004.
الجزائر: حميد عبد القادر
السجال كان بين بوتفليقة ويحياوي لخلافة بومدين
ثلاثة ضباط حسموا الصراع لصالح الشاذلي
الجيش يحسم النزاع ويختار الشاذلي بن جديد رئيسا جديدا
يبرز وزير الخارجية الأسبق، الدكتور طالب الإبراهيمي، السجال الذي كان قائما بين رئيس الدبلوماسية آنذاك عبد العزيز بوتفليقة، ورئيس اللجنة التنفيذية وعضو مجلس الثورة، محمد الصالح يحياوي، لخلافة الرئيس هواري بومدين وأبعادها، والذي حسمته المؤسسة العسكرية من خلال اختيار الشاذلي بن جديد لاعتلاء سدة الحكم.
ويشير الدكتور طالب الإبراهيمي في الفصل الأول، الذي حمل عنوان “مؤتمر جبهة التحرير الوطني وانتخاب الشاذلي بن جديد”، أن وفاة الرئيس هواري بومدين الذي خصصت له جنازة مهيبة على المستويين الشعبي والرسمي، شكّل صدمة للكثير من الجزائريين، ولكنه “سرعان ما فتح الباب لبروز منافسة حادة بين عبد العزيز بوتفليقة ومحمد الصالح يحياوي، بعد أن رأى كل منهما بأنه الأحق لخلافة بومدين”.
وبعد مرحلة انتقالية هادئة، بدأت أهم الشخصيات المفتاحية التي كانت تشكّل مجلس الثورة وأجهزة حزب جبهة التحرير الوطني في التحضير للمؤتمر الرابع، ولكن شكّل وفاة الرئيس بومدين نقطة تحوّل في التوازنات القائمة وفي بنية النظام السياسي القائم، إذ أن بومدين بشخصيته الكاريزمية شكّل إجماعا داخل مختلف الأجهزة، ولكن وفاته أتاحت الفرصة لبروز قوى سياسية سعت إلى أن تكون بديلا عن القطب الرئاسي، كما يقول طالب الإبراهيمي. فمن جهة، كان هناك الجيش والأمن العسكري، ومن جهة ثانية جهاز حزب جبهة التحرير الوطني التي يراد لها أن تمثل السلطة المعنوية لشرعية السلطة والساسة. وكان لزاما لإنجاح المؤتمر الرابع، أن تحسم مسألة خلافة بومدين من قبل، حينها تبين وجود اصطفاف وتموقع استنادا، إلى شهادة قاصدي مرباح. فمن جهة، دعم الشاذلي بن جديد وعبد الله بلهوشات، ترشيح محمد الصالح يحياوي، بينما فضل الطيبي العربي وأحمد دراية ترشيح بوتفليقة، وبقي كل من محمد بن أحمد عبد الغني وأحمد بن شريف خارج دائرة الاختيار بين الشخصيتين، حيث اعترض عليهما الأول، بينما كان الثاني يسعى إلى التموقع في السباق.
وحينما عجز مجلس الثورة عن الفصل بين بوتفليقة ويحياوي، وفي ظل استمرار السجال بين الرجلين، برز على الواجهة طرف ثالث بعيد عن الواجهة السياسية، هي المؤسسة العسكرية التي تحركت بمعية ثلاثة ضباط سامين، هم قاصدي مرباح ومصطفى بلوصيف ورشيد بن يلس، معتبرين بأن الوضعية القائمة تهدد وحدة البلاد والجيش وتساهم في زرع بذور الانشقاقات الجهوية وصراع الزمر. وكان أول قرار يتخذ، هو استبعاد المتنافسين بوتفليقة ويحياوي من السباق كحل جذري، وبمساعدة ودعم عدد من المدراء المركزيين لوزارة الدفاع وأغلب رؤساء النواحي العسكرية، تم اختيار خليفة الرئيس بومدين من رحم المؤسسة العسكرية، ويتعلق الأمر بالشاذلي بن جديد، قائد الناحية العسكرية الثانية وعضو مجلس الثورة وأقدم الضباط السامين. وكان اختيار الجيش للشاذلي بن جديد نابعا من اعتبارات عديدة، منها رغبة الجيش في عدم الخضوع لشخص يحكم سيطرته الكاملة عليها، إلى حد توظيفه في خدمة مطامحه، فشخصية الرئيس الشاذلي كانت الأمثل من حيث غياب الطموحات الشخصية وإحساسه بضرورة تطوير وتنظيم وعصرنة الجيش والاحتفاظ برمزية المؤسسة العسكرية. وبعد اختيار الجيش، تلاشت كافة الاعتراضات على مستوى مجلس الثورة، ثم على مستوى المؤتمر الرابع الذي كرّس اختيار الشاذلي بن جديد كمرشح وحيد لرئاسة البلاد.
الجزائر: ح. صواليلي
كشف بأن الشاذلي كان يريد التخلص من “جماعات الضغط”
اللواء رشيد بن يلس هو من اقترح فكرة التعددية الحزبية بعد أحداث أكتوبر
خلص الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، أثناء تحليله لظروف قيام أحداث أكتوبر 1988، إلى وجود مناورين هيئوا لها. وأرجع أسباب الأحداث، إلى كون الرئيس بن جديد كان يتقاذفه تياران متناقضان، وهو ما أوصله إلى الانفجار في الخطاب الشهير الذي ألقاه يوم 19 سبتمبر، بغية التخلص من “جماعات الضغط”.
استفاض الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي في الحديث عن أحداث أكتوبر 1988، وعاد إلى الخطاب الذي ألقاه الرئيس بن جديد عشية المؤتمر السادس لحزب جبهة التحرير الوطني، يوم 19 سبتمبر 1988 بالصنوبر البحري، أمام أعضاء مجالس الولايات. واعتبر أن خطاب الرئيس بن جديد، جاء وفق نبرة مغايرة، حيث قدم صورة قاتمة عن الأوضاع التي آلت إليها البلاد، بالأخص بعد أن عرف صيف ذلك العام سلسلة من الإضرابات التي دعت إليها “جبهة القوى الاشتراكية” المعارضة، وبعض المنظمات اليسارية، إضافة إلى انتشار حالة من الندرة في المواد الغذائية، كالحليب والزيت والدقيق.
وبحسب الدكتور طالب، فإن الرئيس بن جديد كان حبيس تيارين متصارعين داخل السلطة. فمن جهة، كان هناك تيار يرغب في إحداث إصلاحات في النظام من الداخل مع انفتاح سياسي، دون المساس بتفوّق جبهة التحرير الوطني، والتي تؤدي إلى تعددية حزبية. ويضيف الدكتور طالب أن أنصار هذا التيار كانوا يعتقدون أن رحيل مساعدية كان بإمكانه أن يسهّل الانتقال للديمقراطية. بينما كان يرغب التيار الثاني في وقوع انفجار للنظام يؤدي إلى خيار الاقتصاد الليبرالي. وكتب ما يلي: “بالنسبة لهؤلاء (يقصد الليبراليين)، فإن ذهاب أحمد طالب ضروري، لأنه أنشأ مجلس المحاسبة، ولم يكف عن الحديث عن مسألة العدالة الاجتماعية”. ويضيف أن هذه الجماعة كانت ترغب في رحيل أحمد طالب ومساعدية، بحكم اعتقادهم أنهما يمارسان تأثيرا على الرئيس بن جديد، موضحا أن الرئيس وهو يقبل برحيل مستشاريه المقربين، كان بصدد الإمضاء على رحيله. كما أورد الدكتور طالب أن الرئيس تحدث عن الأطراف التي كانت تعيق إصلاحاته الاقتصادية والسياسية، كما استنكر مظاهر “الغنى غير الشرعي”، والبيروقراطية، وغيرها من المظاهر السلبية. وعلى المستوى الشخصي، أوضح الدكتور طالب أنه أبدى ارتياحه من الخطاب، من منطلق أنه حذّر خلال عدة مناسبات من صعود ما أسماه بالظاهرة الليبرالية التي أوجدت فئة ثرية في ظرف زمني قصير. وكشف أن الشاذلي أخبره عقب الخطاب قائلا: “لقد قلت كل ما كان جاثما على صدري”. ثم تساءل: “هل كان الرئيس بن جديد يدرك أنه بهذا الخطاب سوف يؤجج الأوضاع؟”.
ولما اندلعت أحداث أكتوبر 1988، كان الدكتور طالب متواجدا في نيويورك، واتصل عبر الهاتف برئاسة الجمهورية عند حدود الساعة الرابعة صباحا، وتحدث مع كل من محمد الشريف مساعدية، والعربي بلخير، والهادي خضيري، الذين طمأنوه وأخبروه أن “الوضعية متحكم فيها”، بيد أن الدكتور تحدث عن ارتياب كان يساوره، بسبب اجتماع هذا الثلاثي مع الرئيس بن جديد في مثل تلك الساعة المتأخرة.
وذكر الدكتور طالب أنه قرر العودة إلى الجزائر على سبيل السرعة، ليدرك خطورة الوضع، وهو في مطار جنيف يوم 7 أكتوبر، بسبب إلغاء الرحلات الجوية تجاه الجزائر. وبمجرد أن وصل إلى مطار بوفاريك، علم أن الرئيس بن جديد كان في انتظاره. وحينما التقى به وجده مسترخ. وبعد حديث بين الرجلين، قال له الرئيس: “أنت تضخّم لي الأمور دائما”. وهي نفس الجملة التي كان يرددها، يضيف الدكتور طالب، على مسامع الجنرال لكحل عياط، مسؤول الأمن العسكري، في كل مرة يحدثه فيها عن “الوضعية القابلة للانفجار”. وأضاف الدكتور طالب، أنه قال للرئيس بن جديد: “يصعب علي البقاء في حكومة أعطت أوامر للجيش لإطلاق النار على المتظاهرين”، فانفجر بن جديد غاضبا، وقال: “لقد استنجدت بالجيش، لأنني لم أجد أمامي لا الحزب، ولا الحكومة، ولا الشرطة”. ويضيف الدكتور طالب أنه اقترح على الرئيس أن يلقي خطابا للأمة، ويدعو لاجتماع المكتب السياسي، لكن الرئيس قال له: “وماذا بإمكاني قوله عقب خطاب 19 سبتمبر”. هذا الانسداد، جعل الدكتور طالب يشعر أنه بلغ فعلا وضعية القطيعة مع الرئيس بن جديد الذي ترجاه بأن لا يعلن عن قراره رسميا. عقب هذا اللقاء، قرر رئيس الجمهورية استدعاء اجتماع المكتب السياسي يوم 9 أكتوبر. وكتب الدكتور طالب أن بن جديد لم يعد يحتفظ بطمأنينته، بعد أن انتشرت أحداث الشغب في عدد من الولايات، لكنه تحدث بصراحة وأبدى نيته في الانسحاب من منصبه إن كان ذلك يؤدي إلى عودة الهدوء. موضحا أن “مساعدية الذي كان مستهدفا من قبل المتظاهرين، تخلى عنه الرئيس، الذي وجّه التهمة لرئيس الحكومة عبد الحميد براهيمي، وحمّله مسؤولية الإجراءات الاقتصادية التي استنكرها المتظاهرون”.
وذكر الدكتور طالب أن اللواء رشيد بن يلس، اقترح على الشاذلي عدم الترشح لعهدة رئاسية جديدة، بغية إحداث “صدمة بسيكولوجية”، قد تمكنه من التحكم في الأوضاع، وربما العودة إلى الرئاسة. كما اقترح فكرة التعددية الحزبية، إلا أن مساعدية رفضها بشدة، لكن الفكرة وافق عليها غالبية أعضاء المكتب السياسي، لكن “بعض الوجوه بقيت في حالة من التشنج”. ويعتقد الدكتور طالب أن جبهة التحرير الوطني التي حكمت البلاد منذ الاستقلال “كانت مع السلطة، وليس في السلطة”. أما عن تصرفات الرئيس بن جديد عقب تشكيل حكومة جديدة يوم 7 نوفمبر برئاسة قاصدي مرباح، فقد كتب الدكتور طالب بشأنها ما يلي: “أعطى الرئيس بن جديد انطباعا بأنه سجين فريق جديد”.
الجزائر: ح. عبد القادر
الجزائر ـ أمريكا في عيون الإبراهيمي
تحرير الرهائن نقطة التحوّل في العلاقات مع واشنطن
على الرغم من أن العلاقات الجزائرية الأمريكية قديمة ويعود تاريخها إلى 5 سبتمبر 1795 مع التوقيع في الجزائر لأول اتفاقية صداقة بين الداي بابا حسان وجوزيف دونالدسون المبعوث الخاص لأول رئيس أمريكي جورج واشنطن، وعدم انقطاع الاتصالات، إلا أن نقطة التحوّل في العلاقات على محور الجزائر واشنطن، في نظر الإبراهيمي، كانت مساهمة الدبلوماسية الجزائرية في تحرير الرهائن الأمريكيين في السفارة الأمريكية بطهران عام 1980 في أعقاب الثورة الإيرانية.
يؤكد وزير الخارجية الأسبق أن غياب العلاقات السياسية مع الولايات المتحدة بعد الاستقلال، لم يمنع من تطوير الروابط الاقتصادية معها، بينما تباينت المواقف على مستوى السياسة الخارجية بفعل عدة ملفات، من بينها الشرق الأوسط والتمييز العنصري في جنوب إفريقيا.
وساهمت جهود الجزائر في إطلاق سراح الرهائن الأمريكيين من السفارة الأمريكية بطهران، في إحداث تغيير كبير في العلاقات. وعلى ضوء ذلك، يكشف الإبراهيمي عن أول لقاء تم مع مسؤول أمريكي سامي على هامش الدورة الاستثنائية حول نزع التسلح في جوان 1982، ويتعلق الأمر بنائب الرئيس في تلك الفترة جورج بوش، إضافة إلى كاتب الدولة للخارجية جورج شولتز في نيويورك.
في أعقاب اللقاء، عرفت الجزائر زيارة متتالية لمسؤولين أمريكيين على خلفية تفعيل الدبلوماسية الجزائرية لملفات هامة، مثل لبنان وفلسطين، موازاة مع تدعيم الروابط الاقتصادية مع زيارة كاتب الدولة للتجارة الأمريكي، ثم جورج شولتز في 11 أفريل 1983، تبعها زيارة نائب الرئيس جورج بوش في 14 سبتمبر 1983، في وقت بدأت واشنطن تشجع مساعي الاندماج المغاربي. وتواصلت زيارات المسؤولين الأمريكيين مع دونالد رامسفيلد، المبعوث الخاص للرئيس رونالد ريغان في 9 جانفي 1984، حيث كانت الجزائر تلعب دورا محوريا في الأزمة اللبنانية، ولكن أيضا من خلال المساعي الحميدة لوقف الحرب بين العراق وإيران. وكانت زيارة الرئيس الشاذلي بن جديد للولايات المتحدة في 17 أفريل 1985، تتويجا لمسار التقارب الجزائري الأمريكي، حيث سمحت بتسوية النزاعات الاقتصادية المتصلة بعقود الغاز وتدعيم التعاون، الذي عرف تطورا نوعيا خلال تلك الفترة في سياق رغبة الجزائر ضمان تنويع تعاملاتها التجارية والاقتصادية. الجزائر: حفيظ صواليلي
أحمد طالب وقاصدي مرباح في موريتانيا
القصة الكاملة للمفاوضة السرية حول الصحراء الغربية
من القضايا التي تطرق لها أحمد طالب الإبراهيمي في الجزء الثالث من مذكراته، والممتد من سنة 1979 إلى 1988، قضية الصحراء الغربية والتي وصفها بـ"الشائكة”، باعتبارها من المهام التي صادفت مساره المهني أكثر من مرة، إذ كانت البداية خلال توليه منصب وزير مستشار للرئيس هواري بومدين، الذي اختاره لمتابعة تطورات الملف، ليعود مرة أخرى ليتابع الملف خلال فترة الرئيس الشاذلي بن جديد بصفته وزيرا للخارجية، لكن هذه المرة برفقة العقيد قاصدي مرباح بصفتهما مفاوضين مع المغرب. ويقول الإبراهيمي في سياق شهادته على تلك الفترة “طلبت أن يكون قاصدي مرباح معي في وفد المفاوضات، لأن الطرف المغربي اختار وفدا مكونا من سياسي وعسكري للمشاركة في المفاوضات”.
ويؤرخ صاحب المذكرات لتلك الفترة، بتأكيده أن عودة النشاط للملف الصحراوي كانت من بوابة موريتانيا عقب الانقلابات التي شهدتها، والتي دفعت بالجزائر إلى إرسال الإبراهيمي وقاصدي مرباح إلى نواكشوط للتعرف عن قرب على القادة العسكريين الجدد في موريتانيا، فكان اللقاء في 22 أفريل 1978 مع المقدم أحمد ولد بوسيف الذي كان يشغل منصب وزير أول ورئيس اللجنة العسكرية للإنقاذ الوطني، والذي أوضح لضيوفه الجزائريين أن السياسة الجديدة لموريتانيا تهدف إلى إعادة العلاقات مع الجزائر، والتي عرفت انقطاعا منذ سنة 1976 بسبب موقف الرئيس السابق مختار ولد داده. ويضيف الإبراهيمي أنه نقل موقف الجزائر المقر بأن أي عودة للعلاقات بين البلدين، لن يكون على حساب المصالح الصحراوية، في إشارة إلى ضرورة انسحاب موريتانيا من الأراضي الصحراوية. وبالفعل، تم التوصل إلى اتفاق موريتاني صحراوي في العاصمة بتاريخ أوت 1979.
ثم يتطرق الإبراهيمي إلى سلسلة المفاوضات السرية بين الجزائر والمغرب حول القضية الصحراوية، وصولا إلى اللقاء بين الرئيس الشاذلي بن جديد والعاهل المغربي حسن الثاني في فيفري 1983، موردا الكثير من التفاصيل والحوارات التي دارت في اللقاء الذي حضره الإبراهيمي رفقة قادة البلدين، ليصل ضمن تسلسل تاريخي إلى أول لقاء مباشر بين ممثلين عن البوليساريو ووفد مغربي في الجزائر في أفريل من ذات السنة. ولعل من أهم التفاصيل التي أوردها الإبراهيمي حول قضية الصحراء الغربية التي أوردها في أكثر من جزء من المذكرات، قدرة الجزائر على إقناع ملك المغرب الحسن الثاني بقبول فكرة الحكم الذاتي للصحراويين والاعتراف بأن النزاع مغربي صحراوي وليس مغربيا جزائريا.
الجزائر:س. بلقاضي
طالب يروي تفاصيل زيارة الشاذلي التاريخية لباريس
"قسما في سماء فرنسا..الأقوى في مساري المهني”
من بين الأجزاء التاريخية المهمة التي عايشها أحمد طالب الإبراهيمي وأعاد سردها في مذكرته الأخيرة، العلاقات الجزائرية الفرنسية، مستعيدا ما خزنته ذاكرته عبر تقلده مناصب رسمية جعلته شاهدا أحداث تاريخية. ومن تلك الذكريات التي يوردها في الكتاب، أول زيارة رسمية لرئيس جزائري إلى فرنسا بعد أكثر من عشرين سنة من الاستقلال، معتبرا أن زيارة الرئيس الشاذلي بن جديد إلى باريس في 7 نوفمبر 1983، بمثابة الحدث التاريخي بالنظر لما تكتسيه من طابع تاريخي. وجاءت الزيارة بعد زيارتين قام بهما كل من الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان سنة 1975، وزيارة ثانية قام بها الرئيس فرانسوا ميتران سنة 1981.
وشدد الإبراهيمي الذي رافق الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد في زيارته التاريخية إلى فرنسا، على أن أكثر اللحظات تأثيرا في مساره المهني كانت حين دوى النشيد الوطني “قسما” في سماء فرنسا، وإن عاد ليؤكد أن الكثيرين اعتبروا أن أهم لحظات الزيارة كانت لحظة تهافت المهاجرين على الرئيس بن جديد في شوارع باريس. ومما جاء في هذا الجزء من شهادة الإبراهيمي على هذه الزيارة، أن الرئيس الجزائري كان على وعي تام وإدراك عميق بأهمية كل تفصيل في الزيارة، بدءا من التصريحات واللقاءات وغيرها، مؤكدا أن بن جديد قام بدوره على أكمل وجه، الأمر الذي جعل المعلقين السياسيين في فرنسا، وعبر العالم، يؤكدون على أن الزيارة كسرت الجليد بين الجزائر وفرنسا، مشيرين إلى التوصل إلى علاقات عادية بين الدولتين “لكنني كنت على قناعة في قرارة نفسي أننا بعيدون عن العلاقات العادية”.
وفي تفاصيل شهادته، عاد الإبراهيمي للتطرق إلى سلسلة اللقاءات التي جمعته بمسؤولين فرنسيين للتباحث حول ملفات تقنية وتجارية، وأخرى متعلقة بأوضاع المهاجرين الجزائريين، وقضايا دولية وإقليمية من منطلق منصبه وزيرا لخارجية الجمهورية الجزائرية. وفي السياق، تحدث عما أصبح يعرف بـ"سياسة التوازن الفرنسية في المغرب العربي”، في إشارة إلى محاولة فرنسا التوصل إلى توازن في علاقتها بين الجزائر والمغرب، على الرغم من صعوبة الأمر بالنظر للموقف من قضية الصحراء الغربية، مستشهدا بالعديد من التفاصيل بخصوص هذا الموضوع.
الجزائر: س. بلقاضي
انتقد من استعملوه لـ"تصفية حسابات سياسية”
هكذا تأسس مجلس المحاسبة
عرّج الدكتور طالب الإبراهيمي في فصل خاص، على مختلف الخلفيات والملابسات المرتبطة بقرار تأسيس مجلس المحاسبة، التي كان أهم مؤسسيها وترأسها لفترة وجيزة، مؤكدا أنها الضرورة كانت تقتضي اعتماد جهاز قادر على الضبط والمراقبة لكافة الدوائر المتصلة بالنشاط الاقتصادي.
وأكد الإبراهيمي أنه منذ اعتلاء الشاذلي بن جديد سدة الحكم، ظل يحثه على الاهتمام عن قرب بمسألة الرقابة، حيث ظل مشكل التسيير مطروحا، خاصة مع التطور السريع للبنية الصناعية للبلاد، لضمان تكريس مبادئ مثل النمو والإنتاجية والمردودية والاستخدام العقلاني للوسائل المادية والبشرية. ولاحظ الإبراهيمي أن الميثاق الوطني كان يركز على أهمية الرقابة للوقاية أو تحجيم بعض الانحرافات، على غرار تحويل أملاك الأمة والتعسف في استخدام السلطة والمحاباة والرشوة والتغاضي عن مشاكل المواطنين. ولدرء النقائص المسجلة، كان لزاما إعادة النظر في وظائف الرقابة بالخصوص. وعليه، وفي أعقاب المؤتمر الرابع لحزب جبهة التحرير الوطني، أضحت مسألة الرقابة على كافة المستويات والقطاعات من الأولويات لمواجهة الانحرافات والفساد والحد من النقائص وتحسين الخدمات وتسيير الوحدات الإنتاجية، وتجلى ذلك في أول خطاب ألقاه الرئيس الشاذلي بن جديد بتاريخ 13 مارس 1979 حينما أكد على أنه “لن يكون هناك أي تسامح ولا عذر حيال أولئك الذين يلحقون الأذى بالإرث الوطني ومكاسب الشعب والوحدة الوطنية والمبادئ الثورية”. وبعد ثلاثة أيام، أي بتاريخ 16 مارس، أصدرت رئاسة الجمهورية بيانا عينت من خلاله أحمد طالب الإبراهيمي كعضو في المكتب السياسي مكلفا بالتحضير للنصوص القانونية المتصلة بالرقابة. حينها، ركز الإبراهيمي على بعدين أو مستويين، الرقابة السياسية المرتبطة بدور المجلس الشعبي الوطني وإعادة الاعتبار لدورهم الرقابي، واعتماد مقاييس الكفاءة والنزاهة والالتزام على الإطارات المسيرة، مقابل تسليط العقوبات على من يخل بواجباته وترقية الإطارات وفقا للكفاءة. أما البعد الثاني، فهو متصل بالرقابة الإدارية المتمثل في عمل الحكومة، حيث يضبط عمل الإطارات والمسؤولين وفقا للسلم الهرمي. كما تعتمد رقابة خارجية من خلال هيئات، منها وزارات المالية والعدل والداخلية، التي تقدم تقارير دورية ويتم عرضها على مستوى مجلس الوزراء.
ويكشف الإبراهيمي أن إنشاء مجلس المحاسبة جاء كحتمية، حيث تلعب دور آخر حلقة في مجال الرقابة، كما ستكون حلقة الوصل بين مختلف آليات الرقابة الأخرى. واعترف بأن تأسيس المجلس كان يمثل خطوة هامة، ولكنه أعاد التأكيد بأن فعاليتها يبقى رهن كافة التحسينات التي يتم القيام بها في كافة القطاعات وعلى محيط الرقابة عموما. وبعد تعيين الإبراهيمي رئيسا على المجلس في ماي 1979، اشترط تخليه عنه بعد أن تصبح الهيئة عملية، واختار حينها مجموعة ممن اعتبرهم أفضل الخبراء في ميدان المالية للتحضير لنصوص قانونية متعلقة بالرقابة وآليات تسيير مجلس المحاسبة، فضلا عن تسيير المفتشية العامة للمالية. وتضمنت النصوص المؤسسة للمجلس كافة الصلاحيات التي تتمتع بها، والتي تسمح لها بالوقاية وتصحيح الأخطاء ومعاقبة خرق القواعد المعتمدة في مجال التسيير الاقتصادي. وبعد تجاوز عدد من العقبات القانونية والتحفظات، عهد لمجلس المحاسبة مهام المراقبة المالية، والمتابعة لملفات التسيير إلى حين تجميد مهامها لاحقا. وخلص الإبراهيمي إلى انتقاد مساعي البعض الذين حاولوا توظيف مجلس المحاسبة لتصفية حسابات سياسية. كما تساءل عن تجميد عملها، حيث يعود آخر تقرير لها إلى فيفري 1999، في وقت استفحل فيه الفساد على نطاق واسع بفعل غياب العقاب والشفافية في تسيير المال العام.
الجزائر: ح. صواليلي
محطات
* “على الرغم من أن الجزائر المستقلة لم يتجاوز عمرها عشرين سنة مع مطلع الثمانينات، إلا أن دبلوماسيتها كانت أكثر عراقة، بالنظر لدورها الداعم للنضال من أجل التحرر عبر العالم”.
* “لطالما كنت أردد لإطارات وزارة الخارجية، يمكن أن تكون لكم علاقات عادية مع أي دولة تعترف بها الجزائر. لكن حين يتعلق الأمر بفرنسا، فإنكم أمام خلفية تاريخية لا يمكنكم محوها أو تجاهلها”
* “في الخيمة المخصصة للقاء، جلست في أحد الكراسي رفقة الرئيس الجزائري والملك المغربي، الذي جلس يتحدث عن عظمة سنة 1929 باعتبارها سنة ميلاده وميلاد الرئيس الشاذلي بن جديد (......) وفي رده على الشروط الجزائرية، طلب الملك المغربي فترة للتفكير، مكتفيا بالقول إن ما يهمه بخصوص المفاوضات حول الصحراء الغربية، الختم البريدي والراية الوطنية، وبقية التفاصيل يمكن مناقشتها”
* “حينما تم تحرير الدبلوماسيين الأمريكيين الـ52 المحتجزين في طهران في 1980 بفضل تحركات الجزائر، كل شيء تغير، فمحوّل الهاتف على مستوى السفارة الجزائرية عانى من الإشباع خلال أيام عديدة، وآلاف الرسائل أرسلت من قبل مواطنين أمريكيين لرئاسة الجمهورية الجزائرية. لقد ساهمت قضية الرهائن في تحطيم الصورة السابقة التي ارتسمت عن الجزائر، وتبدلت صورة الجزائر لدى الطبقة السياسية الأمريكية”
* “لقد كنت مؤسس مجلس المحاسبة، ولكنني لم أمارس فعليا مهام الرئاسة أبدا... وبالنسبة إلي، بذلت كل جهدي في صياغة النصوص لتفادي أن يستغل مجلس المحاسبة يوما بغرض تصفية حسابات سياسية. ولكن وبداخل الحزب ولدى بعض التنظيمات، تمت محاولة توظيف المجلس بعد إنشائه لإزاحة بعض المسؤولين الذين كانوا يمثلون قطب المعارضة الافتراضية للدائرة الرئاسية وعلى مستوى المؤسسات الاقتصادية أيضا، لتفكيك مجموعة أو زمرة أخرى كانت تمثل خطرا على السلطة وعمل الرئيس. وبعد فترة حكم الشاذلي، وخاصة الآن، تم إبقاؤها في حالة من السبات لتفادي أن تميط اللثام عن النهب المنظم للإرث الوطني”
* “هذا التحليل كان ثمرة لاتصالاتي شبه اليومية مع جميع الفاعلين، لاسيما مرباح، ولكن يتعين أن أشير أنه في صباح أحد الأيام وعلى الساعة السابعة طرق على بابي بوعلام بن حمودة ليقول لي “اللحظة حرجة، لأن العقيد بن شريف الذي التقيت به ليلة أمس أسر لي أنه سيستعين بعشرين ألف رجل، وأنه مصمم على الاستيلاء على السلطة بعد توقيف كافة زملائه من مجلس الثورة، ليضيف أعتقد أنه بإمكانك أن تثنيه عن مسعاه وأن تفكك فتيل هذه القنبلة. بعد ساعة، كنا في بيت بن شريف وكانت زوجته حاضرة أيضا حينما بدأ يتحدث عن أسباب معارضته للمترشحين “يحياوي يمكن أن يقودنا مباشرة إلى الشيوعية ويعتبر أيضا ليبيا نموذجا له وبوتفليقة مناصرا لليبرالية، وهو خاضع ومدعم للأمريكيين”.
* الشاذلي بن جديد، قال لي: “لقد استنجدت بالجيش، خلال أحداث أكتوبر 1988، لأنني لم أجد أمامي لا الحزب، ولا الحكومة، ولا الشرطة”
